المدينة و الدستور

Elshahed_170— محمد الشاهد باحث مقيم بالقاهرة ومؤسس مشاهد القاهرة. تم نشر المقال الأصلى على مشاهد القاهرة فى ٢٠١٢، وإعادة نشره تمت بعد موافقة كاتبه يناقش محمد سوء إدارة المدن المصرية فى دستور ١٩٧١ ودستور ٢٠١٢ ويعتقد أننا سوف نواجه نفس المشكلة فى الدستور القادم.—

جزء كبير من معاناة المصريين في حياتهم اليومية على مر العقود السابقة كان يتعلق بسوء ادارة المدن المصرية بل ايضا سوء إدارة جميع المحافظات و المدن و النجوع و المراكز و القرى. آي ان جزء رئيسي من اي مشروع وطني لحل تلك المشاكل كان يجب ان يعيد النظر بصورة جذرية في كل القوانين الخاصة بالحكم المحلي و إعادة هيكلة ذالك النظام الفاسد بطريقة تضع المواطن اولا و تسهل للمجتمعات المحلية آليات الحكم المحلي التي يستطيع المجتمع استخدامها في حل مشاكل الحياة اليومية بما يتعلق بالاحياء و خدماتها. للاسف الدستور الجديد فشل تماما في التعامل مع هذا الموضوع بصورة ايجابية. الفصل الخاص بالادارة المحلية ربما واحد من اسوآ الفصول في الدستور و يعيد اخطاء الماضي بما يخص مركزية القرار و الميزانية مما يعنى ان مدننا المصرية التي تكاد و ان تكون على الحافة لن تتآثر إيجابيا بالدستور المطروح. مدن مصر في حاجة ماسة لا لخطة مركزية للنمو العمراني بل إلى سياسة حكم محلي ديموقراطي يضع المجتمعات المحلية في قلب صناعة القرار بما يخص حياتهم اليومية من النظافة، الخدمات، التعليم و الصحة، الاسكان و غيرها من امور غاية في اهميتها، اذا كان هناك نية سياسة حقيقية للنهوض بهاذا البلد. و لهاذا فنعرض لكم فصل نظام الحكم المحلي و بعض المواد الاخرى التي تآثر على المدينة و التراث المعماري و الثقافة المدنية مع بعض التعليقات.

—————————————————————

الفصل الرابع
نظام الإدارة المحلية

الفرع الأول: التقسيم الإدارى المحلى للدولة

مادة ١٨٣
تقسم الدولة إلى وحدات إدارية محلية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتشمل المحافظات والمراكز والمدن والأحياء والقرى؛ ويجوز أن تضم الوحدة الواحدة أكثر من قرية أو حى، وأن تنشأ وحدات إدارية أخرى تكون لها الشخصية الاعتبارية؛ وذلك كله على النحو الذى ينظمه القانون، بما يكفل دعم اللامركزية، وتمكين الوحدات الإدارية من توفيرالمرافق والخدمات المحلية، والنهوض بها، وحسن إدارتها

مادة ١٨٤
تكفل الدولة ما تحتاجه الوحدات المحلية من معاونة فنية وادارية ومالية، وتضمن التوزيع العادل للمرافق والخدمات والموارد وتقريب مستويات التنمية والمعيشة بين هذه الوحدات؛ طبقا لما ينظمه القانون

مادة ١٨٥
تدخل فى موارد الوحدات المحلية  الضرائب والرسوم ذات الطابع المحلى الأصلية والإضافية. وتتبع فى جبايتها القواعد والإجرءات المتبعة فى جباية أموال الدولة. وكل ذلك على النحو الذى ينظمه القانون

مادة ١٨٦
ينظم القانون تعاون الوحدات المحلية فى الأعمال ذات النفع المشترك، ووسائل التعاون بينها وبين أجهزة الدولة

مادة ١٨٧
ينظم القانون طريقة اختيار المحافظين ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى، ويحدد اختصاصاتهم

—————————————————————

الفرع الثانى: المجالس المحلية

مادة ١٨٨
تنتخب كل وحدة محلية مجلسا بالاقتراع العام السرى المباشر لمدة أربع سنوات ويشترط فى المترشح لعضوية المجلس المحلى ألا تقل سنه، يوم فتح باب الترشح، عن واحد وعشرين سنة ميلادية ويضم إلى عضوية المجلس ممثلون عن أجهزة السلطة التنفيذية فى الوحدة المحلية دون أن يكون لهم صوت معدود وينتخب كل مجلس رئيسه ووكيله من بين أعضائه المنتخبين وينظم القانون شروط الترشح الأخرى، وإجراءات الانتخاب

مادة ١٨٩
يختص المجلس المحلى بكل ما يهم الوحدة التى يمثلها، وينشئ ويدير المرافق المحلية والأعمال الاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها؛ وذلك على النحو الذى ينظمه القانون

مادة ١٩٠
قرارت المجلس المحلى الصادرة فى حدود اختصاصه نهائية، ولا يجوز تدخل السلطة التنفيذية فيها، إلا لمنع تجاوز المجلس لهذه الحدود، أو الإضرار بالمصلحة العامة، أو بمصالح المجالس المحلية الأخرى وعند الخلاف على اختصاص هذه المجالس تفصل فيه على وجه الاستعجال الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بمجلس الدولة؛ وذلك كله وفقا لما ينظمه القانون

مادة ١٩١
يضع كل مجلس محلى موازنته وحسابه الختامى، على النحو الذى ينظمه فى القانون

مادة ١٩٢
لا يجوز حل المجالس المحلية بإجراء إدارى شامل. وينظم القانون طريقة حل أى منها واعادة انتخابه

————————————-

بالإضافة إلى عدة مواد آخرى تخص المدن مفرقة في الدستور

مادة ١١
ترعى الدولة الأخلاق والآداب والنظام العام، والمستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية، والحقائق العلمية، والثقافة العربية، والتراث التاريخى والحضارى للشعب؛ وذلك وفقا لما ينظمه القانون

مادة ١٢
تحمى الدولة المقومات الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع، وتعمل على تعريب التعليم والعلوم والمعارف

مادة ٢٠
تلتزم الدولة بحماية شواطئها وبحارها ومواردها المائية وبحيراتها، وصيانة الآثار والمحميات الطبيعية، وإزالة ما يقع عليها من تعديات

مادة ٤٦
حرية الإبداع بأشكاله المختلفة حق لكل مواطن. وتنهض الدولة بالعلوم والفنون والآداب، وترعى المبدعين والمخترعين، وتحمى إبداعاتهم وابتكاراتهم، وتعمل على تطبيقها لمصلحة المجتمع وتتخذ الدولة التدابير اللازمة للحفاظ على التراث الثقافى الوطنى، وتعمل على نشر الخدمات الثقافية

مادة ٦٣
لكل شخص الحق فى بيئة صحية سليمة. وتلتزم الدولة بصون البيئة وحمايتها من التلوث، واستخدام الموارد الطبيعية؛ بما يكفل عدم الإضرار بالبيئة، والحفاظ على حقوق الأجيال فيها

مادة ٦٨
المسكن الملائم والماء النظيف والغذاء الصحى حقوق مكفولة. وتتبنى الدولة خطة وطنية للإسكان؛ تقوم على العدالة الاجتماعية، وتشجيع المباد ا رت الذاتية والتعاونيات الإسكانية، وتنظيم استخدام آراضي الدولة لاغراض العمران؛ بما يحقق الصالح العام ويحافظ على حقوق الأجيال

مادة ٧٢
تلتزم الدولة برعاية ذوى الإعاقة صحيا وتعليمايا واقتصادايا واجتماعايا، وتوفر لهم فرص العمل، وترتقى بالثقافة الاجتماعية نحوهم، وتهيئ المرافق العامة بما يناسب احتياجاتهم

مادة ٢٢٠
مدينة القاهرة عاصمة الدولة. ويجوز نقل العاصمة إلى مكان آخر بقانون.

مادة ٢٣٥
يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه فى الدستور بالتدريج خلال عشر سنوات من تاريخ العمل به

—————————————————————

التعليقات

المادة ١٨٣ و ١٨٤ لا يوضحو ما هي إختصاصات الآدارة المحلية. فمثلا الادارة المحلية في دول عديدة مثل امريكا و دول اوروبا و غيرها هي المسؤولة عن ما يلي (برقابة الدولة): التخطيط العمراني و تحديد مكان الخدمات المختلفة، تنشيط الاقتصاد المحلى و ترويج السياحة في تلك المنطقة، الاشغال العامة مثل صيانة الشوارع و المرافق العامة و نظافة الشوارع و تنظيم مياه الشرب و المجاري، الحدائق العامة في تلك المنطقة، خدمات الشرطة والإسعاف و الاطفاء، تجميع الضرائب، الاسكان المحلي، المواصلات. كل هذه الخدمات التي تستلزم الدولة توفيرها يجب مراقبتها و تنفيذها على المستوى المحلي عن طريق المحافظات و الوحدات المحلية. و هذه النقلة النوعية في حكم المدن و التي تساعد على التخلص من الفساد و اهدار المال العام لم توفر بوضوح في الدستور الجديد. فقط لدينا كلمة فضفاضة غير واضحة في المادة ١٨٣ عن دعم اللامركزية، و قد ذكرت نفس الكلمة في دستور ١٩٧١ و لم يكن لها اي تآثير.

المادة ١٨٥ عن الضرائب لا توضح علاقة الاحياء الغنية بالاحياء الفقيرة بما يخص الضرائب. بمعنى اخر، ثلثي سكان القاهرة يسكنون في احياء تعد عشوائية من وجهة نظر الحكومة و معظم سكانها لا يدفعون الضرائب او يعدو من الفقراء حيث لا يمكن ان تجمع الدولة ضرائب منهم. بهذه المادة لن يدخل اي دخل ضرائبي لتلك الاحياء و من ثم لن تتحقق لها التنمية التي تحتاجها للمرافق العامة و الخدمات. بمعنى اخر الاحياء الغنية ستظل غنية و مستريحة و الاحيائ الفقيرة ستزداد فقرا. اعادة توزيع الموارد الضرائبية يجب النص عليها لتضمن مدينة افضل للجميع.

المادة ١٨٦ و ١٨٧ يتركون امور مصيرية عن السلطة في يد المشرعين و القانون بلا ضمان لنا كسكان المدينة ان لنا الحق في انتخاب المحافظين، مثلا. فيمكن ان يحدد القانون ان ينتخب المحافظ، و هو الشخصية بسلطة الرئيس في محافظته، ثم يغير القانون ليجعل ذاك المنصب بالتعيين من رئيس الدولة او الحكومة. انتخاب المحافظين امر مصيري يجب ان يضمنه الدستور او استمر الامر كما هو عليه الان و يستمر منصب المحافظ منصب يحفظ لاصدقاء الحزب الحاكم.

في جميع المواد الخاصة بالمجالس المحلية لا يوجد اي اعتبار للمجتمع المحلي، اي الاشخاص. كل اللغة تتحدث عن السلطة و تحديد اختصاصتها و كيفية انتخابها لكن حقوق المجتمع المحلي وواجبات الدولة لذلك المجتمع ليست مذكورة او مصونة في هذا الدستور.

المادة ١١ و المادة ١٢ و المادة ٤٦ يتحدثون بصورة غير واضحة عن الثقافة و التراث التاريخي و الحضاري. هذه مصطلحات غير شفافة و يمكن سوء استخدامها في القانون لمسح و طمس تاريخ مصر المتنوع و كل ما يتعلق به. ما هي السلطة التي ستحدد اذ كان شيئا ما يعد جزء من الثقافة المصرية او التراث الحضاري او التاريخي؟ مثلا الدولة في الفترة الاخيرة فشلت في الحفاظ على تاريخ و تراث مصر من الفترة الحديثة لانها فشلت في التعامل العلمي مع تلك الحقبة التاريخية و بسبب هذا الفشل و العجز تم سرقة و تدمير مباني و سجلات و مكتبات و اعمال فنية تحرم اجيال المستقبل من التعرف بتاريخ بلدهم من القرنين الماضيين و كان كل هذا قانوني بحجة ان القانون لم يحدد إن كانت تلك المباني ذات تراث مهم. الخلاصة ان يجب على الدستور ان يعطي تراث مصر الضخم و الذي يتعدى ثلث اثار العالم اكثر من كلمة فضفاضة في مادة من مواد الدستور. يجب ان يحمي الدستور تعددية التراث المصري حتي لا يتم مسح تاريخ معين على يد ذوي العقول الضيقة. يجب ان يضمن الدستور مسؤولية الدولة في حماية كل تراث مصر و تواصل المواطنين بتاريخهم و ضمان الانتفاع العلمي و الاقتصادي من تاريخنا. المدن المصرية خسرت الكثير خاصة في القاهرة و الاسكندرية و بورسعيد و طنطا و دمياط و الاقصر بسبب عدم التزام الدولة دستوريا بالحفاظ على التراث المتنوع و ربطه بالمجتمعات المحلية.

المادة ٢٠ مادة فضفاضة لا تضمن اي شيئ لحماية موارد مصر الطبيعية و الاثرية و المادة ٦٣ ايضا فضفاضة. على السطح المادة ٦٣ تلزم الدولة بحماية البيئة من التلوث لكن لم يذكر ما هو التلوث و من يحدد درجة التلوث او التعدي التي تلزم الدولة في التدخل. بمعنى اخر، هواء القاهرة معروف انه يعد اكثر تلوثا في العالم لكن الوزارات العنية لم تفعل ما يكفي للتعامل مع هذا الواقع. جزء رئيسي للتلوث الهوائي في القاهرة هو السيارات و لكن سياسات الدولة تدعم دخول السوق المصري معدل ٢٠٠٠٠ سيارة كل شهر و لا تلتزم بتوفير مواصلات عامة تقلل من استخدام السيارات و تقلل من التلوث. نفس الشيء بالنسبة لتلوث الماء و نهر النيل. هذة المادة لا تغير من الموقف الراهن.

المادة ٦٨ ايضا تستخدم لغة غير واضحة: ما هو المسكن الملائم و ما هي معاييره و من يحدد هذه المعايير؟

المادة ٧٢ تتحدث عن تهيئ المرافق العامة بما يناسب إحتياجات ذوي الإعاقة مما يعني ان كل رصيف في مصر لازم يتغير لان تقريبا لا يوجد شارع او رصيف في البلد كلها يتناسب مع المعايير العالمية للرصيف المناسب لتحرك ذوي الإعاقة. فهل تضمن هذه المادة ان تصدر الدولة معايير للارصفة تحدد ارتفاعها و تحدد كيف يتم رصفها و ازالة التعديات و ضمان كل المشاه و ذوي الاعاقة الحق في رصيف امن للتحرك في المدينة؟ لا اعتقد. هذا بخلاف ان كل المباني العامة خاصة المباني الحكومية ووسائل المواصلات العامة يجب ان تيسر عملية التنقل للملايين من المصريين ذوي الإعاقة في الحركة.

المادة ٢٣٥ تصون استمرار الوضع على ما هو عليه لمدة عشر سنوات اخرى

—————————————————————

هذه تعليقات اولية على ما يتضمنه مشروع الدستور الحالي لكن هناك ايضا الكثير من المواد الغائبة تماما عن هذا الدستور و التي تختص في الحق في المدينة والتزام الدولة بحماية المواطنين من الكثير من الاخطار التي تنتج من سوء التخطيط (مثلا حق المواطن في خدمة اطفاء الحريق و التزام الدولة بقوانين تحمي العقارات من مخاطر الحرائق، او ربط التعداد السكاني بعدد الخدمات من المدارس و المستشفيات و الحدائق العامة، او تسهيل الدولة لاصحاب العقارات ان يجدو اموال و مساعدات مادية لاصلاح عقاراتهم اذا تهدد امن السكان، او ضمان حرية المواطنين في استخدام المساحات العامة مثل الميادين و الحدائق و الكورنيش و ان تجرم استخدام تلك المساحات للمنفعة الخاصة.. إلخ..)ـ

إحنا سكان المدينة، إحنا ادرى بمشاكل مدينتنا و احيائنا و من حقنا ان توفر لنا الدولة آليات الحكم التي تمنحنا الفرصة في إدارة مدينتنا و احيائنا و اول هذه الحقوق التي يجب ان يضمنها لنا الدستور الجديد هو حقنا في انتخاب المحافظين ببرامج انتخابية واضحة و حقنا في مراقبة المحافظين لنضمن انهم ينفذو كل ما بوسعهم لتحويل مدننا الى اماكن افضل تليق بآدميتنا.

 

 

اكتب تعليقك