المحاكمات العسكرية

militaryjudge2نظم دستور ١٩٧١، الذي استمر العمل به حتى تنحي محمد حسني مبارك أثر قيام ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، المحاكمات العسكرية والقضاء العسكري في المادة  ١٨٣ من الفصل السابع “القوات المسلحة ومجلس الدفاع الوطني” في الباب الرابع “سيادة القانون” والتي نصت علي أن “ينظم القانون القضاء العسكري، ويبين اختصاصاته في حدود المبادئ الواردة في الدستور”.

وخصص  دستور ٢٠١٢، الذي استمر العمل به حتى عزل محمد مرسي في ٣ يوليو ٢٠١٣، الفرع الرابع “القضاء العسكري”، من الفصل الخامس “الأمن القومى والدفاع” بالباب الثالث “السلطات العامة” للمادة ١٩٨ التي تنص علي أن “القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكرى الأخرى. وأعضاء القضاء العسكرى مستقلون، غير قابلين للعزل، ويكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء الجهات القضائية”.

وخصصت لجنة الخبراء في مسودتها لتعديل دستور ٢٠١٢، التي سلمتها إلي لجنة الخمسين في إطار عملية كتابة الدستور، الفرع الثالث “القضاء العسكري”، من الفصل الرابع القوات المسلحة والشرطة بالباب الخامس “نظام الحكم”، للمادة ١٧٣ التي تنص علي أن “القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة ، يختص دون غيره بالفصل فى كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على القوات المسحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم ، ويبين اختصاصات القضاء العسكرى الأخرى. وأعضاء القضاء العسكرى مستقلون غير قابلين للعزل ، وتكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية”.

وأثار نص المادة الذي يبيح محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية العديد من الانتقادات بين السياسيين الناشطين والمنظمات الحقوقية. فنشرت حركة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيينبيانا أعربت فيه عن رفضها التام لتضمين الدستور مادة تبيح محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. وأفرد البيان، الذي وقع عليه العديد من السياسيين النشطاء وممثلي المنظمات الحقوقية، ١٠ أسباب لهذا الرفض منها “أن المحاكم العسكرية بطبيعة القوانين المنظمة لها تفتقد الحياد و منحازة للمؤسسة العسكرية”. و” لأن المحاكم العسكرية بطبيعة القوانين المنظمة لها غير مستقلة”. و”أن الدعم الحقيقي لالأمن القومي هو القائم على الحقوق و ليس الإستبداد.  و الإستقرار يتحقق بحماية الحقوق وضمانها من قبل الدول. و الردع الحقيقي للإرهاب يتم بمحاكمة عادلة تكشف لنا الوقائع و تحاسب الجناة الحقيقيين”. بالإضافة إلي أن “إبعاد أي اجراءات إستثنائية و أدوات ظلم- من شأنها إنتهاك حقوق المصريين والمصريات- عن المؤسسة العسكرية و الجيش يحميها من الإفساد و يدعمها في أداء واجبها الأساسي و هو حماية أبناء هذا الوطن”. إلي جانب أنه  ”لا يعقل أن يحاكم القائد الأعلي للقوات المسلحة السابق – المخلوع- أمام القضاء المدني و توفر له كل ضمانات العدالة الممكنة؛ و عموم الشعب تسلب حقوقهم يوميا أمام المحاكم العسكرية”.

وإلي جانب الرفض المحلي للمحاكمات العسكرية للمدنيين في مصر، أعربت العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية عن رفضها لاستمرار تلك المحاكمات. ففي أثناء محاكمة الصحفي أحمد أبو دراع أمام إحدى المحاكم العسكرية أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا قالت فيه نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، حسيبة حاج صحراوي: “يسدد قرار السلطات بمحاكمة صحفي مدني أمام محكمة عسكرية ضربة قاسية للحريات الصحفية وحقوق الإنسان في مصر”، مضيفة أن “المحاكمات التي تعقدها المحاكم العسكرية المصرية معروفة بجوْرها، ناهيك عن أن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية هو أمر يخالف المعايير الدولية المرعية في هذا المجال”. وأضافت المؤسسة في نهاية بيانها أنها تعارض “محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وهي محاكم تُعرف في مصر بأنها محاكم جائرة وتنتهك الضمانات الخاصة بالمحاكمات العادلة، وخصوصا الحق في الحصول على محاكمة عادلة وعلنية أمام هيئة مستقلة ومحايدة ذات اختصاص ومشكلة بحكم القانون”. وذكرت أن مصر هي إحدى الدول الأطراف الموقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكفل الحق في الحصول على محاكمة عادلة.

كما كانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد أصدرت بينا أثناء حكم “محمد مرسي” بعنوان “على الرئيس مرسي وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين” قالت فيه “سارة ليا ويتسن”، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة الدولية أن “القانون الدولي واضح تماماً في هذا الشأن. يجب ألا يُحاكم أي مدني، بغض النظر عن الجريمة، أمام محكمة عسكرية. الموضوع لا يحتاج إلى لجنة للتأكد. على الرئيس مُرسي أن يتخذ موقفا متسقا مع قانون حقوق الإنسان، وأن يعفو عن جميع المدنيين المُدانين أمام محاكم عسكرية”. وأضاف البيان أن ”هيومن رايتس ووتش” تعارض بشدة “محاكمة المدنيين في أية قضايا أمام محاكم عسكرية، حيث أن إجراءات المحاكم العسكرية لا تستوفي متطلبات الاستقلال والحياد اللازمة للمحاكم، ومن ثم فهي محاكم غير عادلة بطبيعتها ومن حيث المبدأ. خلصت هيئات حقوق الإنسان الدولية على مدار السنوات الخمسة عشر الماضية غلى أن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية أمر ينطوي على خرق ضمانات إجراءات التقاضي السليمة الواردة في المادة ١٤ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تؤكد على حق الجميع في المحاكمة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة”.

وعلي الرغم من الإنتقادات الموجهة إلي نص المادة التي صاغتها لجنة الخبراء قامت لجنة الخمسين في صياغتها للمادة بإضافت أجزء أخرى ليصبح نص المادة ”القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن في حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة. ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على منشآتها العسكرية أو معسكراتها أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك أو معدتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد أو الجرائم التي تمثل اعتداء مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم (وما يكلفون به من أعمال وطنية)، ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري. وأعضاء القضاء العسكري مستقلون غير قابلين للعزل، وتكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية”. واستدعى نص المادة المزيد من الانتقادات فأصدرت “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” بيانا جديدا بعنوان “ارفضوا محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية..  نص المادة 174 أسوأ من نظيرتها في دستور 2012 المعطل!” قالت فيه أن ”أعضاء لجنة الخمسين لم يكتفوا بتكرار نفس “جريمة” الإخوان في دستورهم المعطل بدسترة المحاكمات العسكرية للمدنيين، واعتبار القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، بل أنهم جاءوا بنص يشمل توسعًا مريبًا في الجرائم التي يخضع المدنيين فيها لسلطة القضاء العسكري”. وأضاف البيان أن الصياغة الجديد للمادة في الفقرة الأولى من المادة ١٧٤ بإضافة اختصاصات جديدة للقضاء العسكري “بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن فى حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة”، يعد توسعًا في النص بإضافة “من في حكمهم”، وهذا يضفي شرعية دستورية على المحاكمات العسكرية للمدنيين العاملين بمصانع القوات المسلحة وهيئاتها المختلفة، والأطفال والطلاب بالمدارس والمعاهد العسكرية، كما أن إضافة المخابرات العامة في النص يكسب أفرادها حماية من الملاحقة القانونية أمام القضاء المدني في حال ارتكابهم جرائم ضد مدنيين”. كما أن ”الفقرة الثانية من المادة جاءت لتحدد اختصاص المحاكم العسكرية بمحاكمة المدنيين في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات أو ما في حكمها أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية”. وعلق البيان علي هذه الفقرة قائلا إن “الترجمة الحقيقية لهذا التوسع أن أي منشآت تابعة للقوات المسلحة، بما فيها قاعات الأفراح والنوادي والفنادق ومحطات الوقود والمصانع الحربية، سيخضع المدنيين في نطاقها للمحاكمات العسكرية إذا ما قام نزاع بينهم وبين أفراد القوات المسلحة، بالإضافة للمحافظات الحدودية مثل سيناء ومرسى مطروح وأسوان البحر الأحمر وجنوب الوادي، والمحافظات التي تشغل الكثير من مساحتها مناطق عسكرية مثل الإسماعيلية والسويس”.

 

هذا المقال في يزال قيد التطوير. إذا كان لديك معرفة بأي موقف أو تصريحات معلنة من قبل أي منظمات او أحزاب سياسية، سواء كانت متفقة أو مختلفة مع شروط محددة في الدستور، وكانت تلك التصريحات أو المواقف تشرح وجهة أسباب وجهة نظرهم، أو إذا وجدت أي أخطاء في هذا المقال، برجاء الكتابة إلينا علي العنوان الإليكتروني qadaia@dustur-al-shaab.org.

 

اكتب تعليقك