مقاطعة أو إبطال أو لا.. عمرو عزت مسئول برنامج “حرية الدين والمعتقد” فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

amrيميل “عمرو عزت”، مسئول برنامج “حرية الدين والمعتقد” فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حتى الآن، إلي اتخاذ موقفه الشخصي من الاستفتاء على الدستور بشكل يعبر عن رفض المسار السياسي الحالي الذي تحول تدريجيا في رأيه من مسار يقوم على أنقاض سلطة الإخوان إلى مسار يسير عكس اتجاه الديمقراطية ويقوم فوق أنقاض أي أساس لها. ولكنه يعتقد أن هذا الموقف لا يزال قيد التشكل وسط القوى التي تعبر عن هذا الميل، فهي لا زالت غير حاسمة لموقف موحد بين المقاطعة أو إبطال الأصوات أو الدعوة للتصويت بـ “لا”.

يقول “عزت” أن موقفه يأتي لاعتراضه علي مسار العملية السياسية في مصر حاليا بشكل عام، لأن كتابة الدستور تحتاج إلي حد أدنى ما من التوافق السياسي، وهو ما لا يتوفر في الوضع الحالي في مصر الذي يشهد استقطابا سياسيا حادا وصراعا دمويا في الشوارع والإرادة السياسية للسلطة أصبحت مرتهنة تماما للحسابات الأمنية ومرتكزة على حملة دعاية فاشية لا يمكنها أن تكون أساسا لأي تقدم نحو ديمقراطية ولا يمكنها أن تحسم الصراع مع التيار الإسلامي، بل تستمد قوتها من استمرارهم وليس لديها أي حلول إلا تضييق المجال السياسي وانتهاك أي معنى للعدالة والقانون. ويضيف “عزت” أن المسار السياسي كان سيكون أقل سوءا لو كانت قد تمت تلبية مطالب ٣٠  يونيو بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ولكن في النهاية  لا يمكن فصل آليات الديمقراطية، مثل كتابة الدستور، عن مجمل اتجاه العملية السياسية كما تعبر عنه إرادة القوى الرئيسية المسيطرة على المشهد. وأي اجراءات واستفتاءات وانتخابات لن تفلح في تجاوز هذا الموقف تماما، بعيدا عن إرادة التوجه إلى الديمقراطية وليس فقط استكمال اجراءاتها.

يقول “عزت”: “ليست لدي أي أوهام عن وجود ما يسمى حرية العقيدة أصلا في مصر. وليست لدي أوهام عن قرب انفراج ذلك بسبب نصوص دستورية، ولكن ربما يحدث ذلك في ساحات معارك يخوضها من يريدون أن يعيشوا أحرارا وكراما مهما كانت عقيدتهم”. فلا توجد أرضية قانونية وتشريعية مستقرة بالأساس تضمن حرية الاعتقاد في مصر، بل الأساس هو التقييد والتمييز، وعلي من النص على ضمان وكفالة حرية الاعتقاد في الدساتير المتعاقبة فإن الدولة تقيد تماما أي تحول ديني من الإسلام إلى أي اعتقاد آخر، وترفض الاعتراف به في الأوراق الرسمية وتؤيد أحكام القضاء ذلك وتقدم حيثيات تستند للمادة الثانية التي تنص على كون الإسلام هو دين الدولة، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وتحتكر الدولة قانونا ممارسة الشعائر الإسلامية في المساجد، ولها حق تقييد أي نشاط ديني يخالف رؤية الحكومة، بل يعاقب القانون أي ممارسة للخطابة والدعوة في المساجد بغير ترخيص حكومي. وتمارس الدولة التمييز والتقييد الكامل لممارسة الشعائر لأي طوائف إسلامية بخلاف المذهب السني. وبشكل متكرر يتم استخدام القانون في توجيه اتهامات بترويج “أفكار متطرفة” و”ازدراء الأديان” في مواجهة بعض محاولات التجمع وممارسة شعائر أو التعبير عن المذهب الشيعي أو الأحمدية أو البهائية. ولا توجد أرضية قانونية للمواطنين من غير أبناء الديانات الثلاث لممارسة حق الزواج ولا يوجد أي تنظيم لأحوالهم الشخصية، إلا باضطرارهم إلى الادعاء في الأوراق الرسمية أنهم من أبناء الديانات الثلاث.

وبالإضافة إلا ذلك فإنه لا توجد أرضية مدنية للأحوال الشخصية، وترفض الدولة ضمان حرية المواطنين المسيحيين في الطلاق والزواج الثاني، لأن ذلك يخالف رأي الكنيسة، ولا توفر لهم أرضية أخرى لممارسة حرياتهم كمواطنين بعيدا عن الكنيسة،  وتكرس القرارات الإدارية المتبعة وأحكام القضاء التمييز ضد الطوائف المسيحية في بناء دور العبادة باستمرار اشتراط موافقة رئيس الجمهورية على تراخيص بناء كنائس جديدة، امتدادا لـ”الخط الهمايوني” الصادر عن الخلافة العثمانية عام ١٨٥٦م، بحسب “عزت”. كما أن الدولة والبرلمانات المتعاقبة ومختلف المحاكم، قامت علي مدى عقود، باستشارة الأزهر في الشؤون الدينية فيما يمس حرية التعبير، وفيما يمس حقوق المواطنين من أديان مختلفة. وأيضا تستشير الكنيسة الأرثوذكسية فيما يخص “الاعتراف” بطوائف مسيحية جديدة مختلقة معها. ويعاني أبناء طائفة “شهود يهوه” من التمييز في ممارسة شعائرهم وفي تسجيل زواجهم.

ويرى “عزت” أن استمرار الصياغة السيئة لمواد حرية المعتقد في الدستور يسمح بغطاء قانوني لمداهمات لمنازل الشيعة والبهائيين أو أصحاب أي عقيدة أخرى أو مذهب إسلامي آخر وتجريم اجتماعاتهم الخاصة المحدودة بتهمة ممارسة الشعائر الدينية على خلاف ما ينظمه القانون، والقانون لا ينظم شيئا في الحقيقة غير حق الدولة في السيطرة على كل المساجد.  إلا أنه وفي المقابل يمكن القول إن حذف مواد “تفسير مبادئ الشريعة” و”التعرض للأنبياء” و”تقييد ممارسة الحقوق والحريات بمقومات الدولة والمجتمع” وحذف الجزء الخاص “بأخد رأي هيئة كبار العلماء في الأزهر بخصوص الشريعة” هو حذف إيجابي يمنع من استخدام هذه النصوص في زيادة تردي الحالة المتردية.

يقول “عزت”: وفيما يخص الأزهر فإن استمرار النص على كونه “المرجع الأساسي في العلوم الدينية” هو أمر لا علاقة له بالدساتير من الأصل. ولا يزال نص قانون تنظيم الأزهر ينص على أنه “المرجع النهائي في شؤون الإسلام”. كما أن دور الأزهر في الاشتراك كمستشار في  التضييق على الحريات الدينية وحرية التعبير كان موجودا قبل دستور ٢٠١٢ وقبل تعديلات قانون تنظيم الأزهر في ٢٠١٢. ووجود مادة تخصه بالأساس في الدستور هو شيء سلبي ويكرس من وضعه مؤسسة رسمية تشترك مع الدولة في تكريس الوضع السيئ لحرية الدين وحرية الرأي والتعبير، وليس مؤسسة علمية دينية مستقلة تتمتع بحرية الدين وحرية الرأي والتعبير.

وعلي الرغم من التعقيد في علاقة النص بالواقع الفعلي. إلا أن الأمر أعقد، بحسب “عزت”، عند النظر للنصوص الدستورية في مجموعها وفي مدى اتفاقها أو صدامها. فعمليا يحدث تقييد الحقوق والحريات برغم النص على كفالتها في الدستور، نتيجة لنصوص أخرى تصادمها أو تفرغها من مضمونها. وهذا تحديدا كان اتجاه دستور ٢٠١٢ فيما يتعلق بحرية الدين أو علاقة الدين بسقف الحريات والحقوق. يقول “عزت”: قبل الاستفاء على دستور ٢٠١٢ ، اشتركت مع زملاء “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في كتابة تعليقات على مواد الدستور ، كان من بينها تعليق خاص بالمواد التي تتعلق بحرية الدين والمعتقد أو علاقة الدين بباقي الحريات. وكان خلاصة التعليق هو رصد مواطن الصدام بين مواد الدستور التي تضمن الحريات والأخرى التي تشكل مستندا لتقييدها وانتهاكها، وتاثير ذلك على استمرار واقع حرية الدين والمعتقد السابق ذكره باقتصاب.

وكانت الصدامات التي تفتح بابها نصوص الدستور على أربعة محاور:١ – صدام بين الحريات الأساسية و”الشريعة”. ٢ – استدعاء مرجعية دينية والصدام بينها وبين المؤسسات الديمقراطية. ٣- تهديد باستمرار مطاردة الأقليات الصغيرة والحريات الشخصية وحرية التعبير رغم النص على المساواة وعدم التمييز وحماية حرية التعبير. ٤- استدعاء مرجعيات دينية طائفية مهيمنة على طوائفها في صدام مع حقوق وحريات تضمنها الدولة. وماحدث على هذه الخلفية هو أمران:

أولا: معالجة النصوص التي تزيد الصدامين الاولين ١و٢  مع بقاء أرضية الصدامين ذاتها، ففي مشروع دستور ٢٠١٣ جرى معالجة النصوص التي تزيد الصدام بين الحريات الأساسية و الشريعة (المادة ٢١٩ التي تفسر مباديء الشريعة ، ومادة ممارسة الحقوق والحريات في حدود مقومات الدولة والمجتمع) ولكن مع بقاء أرضية الصدام نفسها المتمثلة أساسا في المادة الثانية. وجرى معالجة النصوص التي تستدعي بقوة مرجعية دينية – الأزهر  في صدامها مع مؤسسة مدنية في تفسير الشريعة ( أرض الصدام الأول)  – المحكمة الدستورية – وفي صدامها مع البرلمان بالنص على أخذ رأي هيئة الكبار العلماء في التشريع. ولكن هذا مع بقاء الصدام نفسه موجودا ببقاء مادة الأزهر. فالصدامات التي أضافتها تيارات السلطوية الإسلامية كانت بالأساس لدعم تقدمها القانوني في تطبيق مشروعها أو “تطبيق الشريعة الإسلامية”  وماحدث الآن  متسق مع تعبير عملية كتابة الدستور الحالي عن “هزيمة لتيارات السلطوية الإسلامية” ولكن بدون تراجع عن “السلطوية الإسلامية” نفسها وجذورها الممتدة في سياسات الدولة وفي علاقة الدولة بالأزهر.

وثانيا: بقاء نفس نصوص الصدامين ٣و٤. كما في نص مادة حرية العقيدة التي تنص على أن “حرية العقيدة مطلقة”. وهو ما يعني قانونا ضرورة عدم وجود تمييز بسبب أي تعبير عن هذه العقيدة أو ممارسة لشعائرها أو التجمع وفقها أو اتخاذ الأماكن اللازمة لإقامة شعائرها. ولكن المادة تحمل في نفسها صداما وهو كفالة حرية ممارسة الشعائر وبناء دور العبادة على أبناء أديان وعقائد معينة.

ويضيف “عزت” أن استمرار وجود المادة التي تنص على أن “مباديء شرائع المسيحيين واليهود هي المنظم لأحوالهم الشخصية” ، لا تضيف جديدا للواقع إلا التأكيد على عدم وجود أرضية منظمة للاحوال الشخصية خارج الشريعة الإسلامية وشرائع المسيحيين واليهود، وتحكم على المسيحيين بشكل خاص بالالتزام باجتهاد كنائسهم بخصوص “الطلاق” و”الزواج الثاني”،  لأنه لا أرضية قانونية تتيجها الدولة للطلاق والزواج الثاني على أساس مدني. وهو ما يعني تقييد حريتهم في الزواج والطلاق بناء على “انتمائهم الطائفي”.

 

 

 

اكتب تعليقك