حقوق الطبيعة

alberto— ألبرتو أكوستا  خبير اقتصادى أكوادورى، وهو رئيس الجمعية التأسيسية الإكوادورية بين عامى ٢٠٠٧ ٢٠٠٨، و شغل منصب وزير الطاقة والتعدين لعام ٢٠٠٧. فى ٢٠١٣ خاض أكوستا الانتخابات الرئاسية كمرشح رئاسى ممثلا لحزب “باشاكوتيك” وهو حزب صغير يمثل السكان الأصليين فى الإكوادور، إلا أنه لم ينجح فى الانتخابات الرئاسية. —

التراكم اللانهائي للأشياء والماديات أصبح نمطا طبيعيا للإنسان، اعتقادا منه أنه سيدفعه إلي التقدم. ولكن زاد القلق مع ظهور عيوب نمط الحياة الذي يعتمد أن الإنسان هو العنصر المركزي في الكون. يجب علينا أن نضع حداً لاستغلال الموارد الطبيعية كوسيلة للتقدم، إن كنا نريد أن نحمي كوكبنا من الانهيار التام. علينا أن ندرك أن الإنسان لم يخلق في عزلة وإنما خلق وسط طبيعة وضمن مجموعة كائنات آخري ولذلك علينا أن نتبني منهج تكافلي لا يسيطر فيه الإنسان علي الطبيعة.

شكلت عناصر الحياة التي لا يمكن تنبؤها مصدر خوفا للإنسان منذ فجر الإنسانية. التف الإنسان للطبيعة وحاول أن يسيطر عليها  ليتجاوز صعوبة العناء من أجل البقاء علي وجه الأرض، ومع مرور الزمن وتوارث اعتقاده أنه المحور الأساسي للكون، عاش الإنسان مهملا للطبيعة ونمت الطبيعة بدون اعتبار الإنسانية جزأ منها مما مهد الطريق للهيمنة علي الطبيعة والتلاعب بعناصرها، خاصة في إطار المجتمعات الرأسمالية.

لقد تخطينا حدودنا في استهلاك الطبيعة، فهي ليست مطلقة بلا نهاية. بدأت أصوات الإنذار تعلو علي ضوء النمو الاقتصادي الذي لم يراعي الطبيعة واستمر في استغلالها.

واقع هذه الازمة يجبرنا أن نعيد التفكير في سبل تنظيمنا المجتمعية والاقتصادية ومدي تأثير مؤسسات الدولة – في شكلها الحالي – علي الأزمة الراهنة. إذا لم ننجح في تقييم تأثيرنا علي الطبيعة التي حولنا والعمل بحسم علي تغيير نظرتنا لها والتعامل معها علي أساس تكافلي سيسود الظلم الاجتماعي والتمييز علي أساس الحالة الاقتصادية نتيجة سيادة النظام الرأسمالي.

بدلا من الفصل بين الإنسان والطبيعة علينا ربط كلاهما ببعض، وهو ما يبدو أمرا بسيطا ولكن إذا اردنا أن نمضي في هذا الاتجاه يجب أن نبدأ بوضع حد للتجارة بالطبيعة. يجب أن تخضع طموحنا الاقتصادية إلي قوانين الطبيعة بدون أي تقليل لمكانة الإنسان أو كرامته و بضمان جودة حياة لجميع البشر.

كل ما ذكر أعلي هو جزء من مجموعة مفاهيم طرحت في الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور في “مونت كريستي” في الاكوادور سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨، والتي تعد خطوة رائدة نحو خلق منهج جديد يلزم الإنسان أن يحترم الطبيعة ويمكنه من التعايش معها.

تم الاتفاق علي الدستور في ٢٠٠٨ والذي يعد حدثا مهما في تاريخ البشرية. يصون الدستور حقوق البيئة ويحث علي التعامل معها ككيان مستقل وينص علي ضرورة اعادة إحياء المظاهر البيئية التي تم تدميرها بالإضافة الي وضع شروط تحفظ حياة البشر التي دمرت بسبب اتباع البعض سلوكيات معادية للبيئة.

تتضمن مواد الدستور مصطلح “الأرض الأم” (و هو ما يطلق سكان أمريكا اللاتينية علي إله مقدس لدي السكان الأصليون لجبال الأندس) كمرادف ل “الطبيعة” والذي فيه اشادة بالتعددية واختلاف الثقافات التي تشكل عالمنا الطبيعي. يسلط النص ضوءاً علي أهمية احترام حقوق البيئة من خلال استخدامه ل “الأرض الأم”، كما يحث شعوب العالم المختلفة علي أهمية التعايش مع الطبيعة في توافق.

تاريخيا كان المجتمع ينظر للتوسع في اكتساب الحقوق مطلب مستحيل، فكان من غير المعقول أن يحرر العبيد أو يكتسب الأمريكيون ذو الأصول الإفريقية حقوقهم أو تحصل المرأة والطفل علي حقوقهم كاملة. أصعب ما في الأمر كان الاعتراف بحق الإنسان في قوانين تكفل حقوقه وصار النضال سياسي هدفه تغيير القوانين التي خلقت علي أساس تصنيف مجتمعي يسلب حقوق البعض.

يجب علينا أيضا أن نغير نظرتنا للطبيعة كمجرد شئ نمتلكه بلا حقوق. لكي نحرر الطبيعة من الاستغلال ومن سيطرة الإنسان يجب التعامل مع القضية من منطلق حقوقي. جميع المخلوقات تتمتع بحدود ومنتاهات ولكن هذا لا يعني أن جميع المخلوقات سواء. الاعتراف بحقوق الطبيعة هو الاعتراف بحقوق الإنسان.

ولذلك علينا أن نعترف بالصعوبات والإسهامات التي قدمتها الشعوب الأصلية التي تمثل الأرض الأم جزء أساسيا من حياتهم. والأهم من ذلك أن هناك أسس علمية آخري تثبت أن كوكب الأرض كائن حي ضخم، تركيبته معقدة ولكنه يستحق أن ينعم بحقوق تحمي كرامته. كل ما هو علي قيد الحياة يتمتع بقيمة خاصة به حتي إن كان لا يفيد الإنسان بشكل مباشر. هناك حتى مبادئ كونية نتظر إلى كوكب الأرض والحياة الكائنة به كأنهم مجرد لحظات بداخل المراحل الواسعة لتطور الكون. إذا الحياة البشرية مجرد لحظة من لحظات الحياة، ولكي تستمر الحياة البشرية على الوجود والتوالد، يجب توافر كل الإشتراطات السابقة التي تسمح بتواجد الحياة.

القاعدة الأساسية التي تربط جميع وجهات النظر المطروحة هي: الصلة. لا يوجد شيئا قائما بذاته. كل شيء متصل بشيء آخر في جميع مراحل الحياة.

من ثم فالتحدي العاجل هو أن نتخذ خطوات تجاه رسم مخطط لإعلان عالمي لحقوق الطبيعة كنقطة بداية تحفظ علاقة تكافلية بين الإنسان والأرض الأم.

 

اكتب تعليقك