لا.. “ماهر عبد الرحمن”، مدير برنامج “استقلالية الإعلام” بمركز دعم لتقنية المعلومات

يميل “ماهر عبد الرحمن”،  مدير برنامج “استقلالية الإعلام” بمركز دعم لتقنية المعلومات، إلي التصويب بلا في الاستفتاء علي الدستور المعدل المقرر له يومي 14 و15 يناير الجاري. وحول أسباب رفضه للدستور الجديد يقول “عبد الرحمن” إن الدستور فى أى دولة من الدول ليس نصاً مجرداً عن السياق الاجتماعي والتاريخي الذى يظهر فيه، إنما يتأثر بالنظام السياسى بمعناه العام، بحيث تدور أحكامه مع هذا النظام وجودا وعدما. فهو نتاج وقائع تاريخية، وهو –أيضا- تجسيد لهذه الوقائع، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وعلى مدار الفترة التى قضاها الرئيس السابق محمد مرسي فى الحكم، شهدت مصر العديد من الاضطرابات والتدهور فى الأحوال السياسية، وكذلك فى الأحوال الاقتصادية والمعيشية للناس. وكان أحد تجليات سياسة التعسف والإقصاء التى مارستها جماعة الإخوان، وكانت أحد أسباب الاضطرابات التى وقعت ضدهم، هو دستور 2012.

يضيف “عبد الرحمن” أنه مع تردى الأوضاع بشكل عام وزيادة الاحتجاجات الشعبية ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، تم عزل الرئيس محمد مرسى فى 30 يونيو 2013. وكانت المطالب فى كل مرة خرج فيها الناس، هى بناء دولة حديثة وديمقراطية تقوم على أساس المساواة والعدل بين مواطنيها، دولة تحافظ على كرامة الإنسان وحريته. وبالتالي فإن ما حدث يوم 30 يونيو كان نتيجة لموجات الاحتجاجات والنضال المتتابعة ضد الحكم الذي انحرف عن طريق ثورة يناير، وهو ،أيضا، نتيجة للدماء التي سقطت على مدار عام من حكم الرئيس السابق. ومنذ 30 يونيو وحتي هذه اللحظة التي يستعد فيها المواطنين للاستفتاء علي التعديلات الدستورية في أيام 14 و15 يناير 2014 والتي أعدتها لجنة الخمسين، يظهر جلياً انحراف الدولة ومؤسساتها عن كل شعارات ثورة يناير؛ وقد أصبحت حجة مواجهة الإرهاب مع الوقت بمثابة حجة على الأكثر لتبرير الاستبداد والقمع الذي يظهر في الممارسات اليومية.

يؤكد “عبد الرحمن” أن قناعة تلك الورقة هي أن الدساتير أو القوانين لا تكون جيدة بمجرد النص فيها على مواد تحمي الحقوق والحريات، فالعبرة دائما بالواقع العملي؛ وبالتالي فهذا الواقع الذي لم يقدم أي إصلاح حقيقي منذ يونيو الماضي لأي من مؤسسات الدولة، بل وقام بالعديد من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان وبذريعة “الحرب على الإرهاب”، بل وحتى على مستوى الحملات الموجهة بإلحاح ،سواء لتشويه أي نقد أو معارضة ووصفها “بالطابور الخامس”، أو الموجهة للتصويت بنعم علي الدستور الجديد.

يقول “عبد الرحمن” أنه على الرغم من أن التعديلات الدستورية الحديثة جاءت بصياغة ومحتوي أفضل من مواد دستور 2012  إلا أنها لم ترق إلى مستوى توفير الضمانات اللازمة لممارسة بعض الحقوق والحريات التي يتحدث عنها هذا الدستور نفسه. مشيرا إلي أن مشروع دستور 2013 في المجمل هو ترسيخ لأوضاع “كنا نتمني تجاوزها عبر فتح حوار مجتمعي حقيقي حول مواد هذا الدستور وهو ما لم يحدث”.

ويفصل “عبد الرحمن” تعليقه علي مواد الصحافة والإعلام فى دستور 2012 ومشروع دستور 2013 في النقاط التالية:

-        المواد: جاءت مواد الصحافة والنشر والإعلام فى دستور 2012 المعطل فى مادتين هما المادة 48، والمادة 49. وجاءت فى مقترح لجنة الخمسين فى مادتين 70، 71، 72 ( مادة مستحدثة).

-        مادة منع حظر النشر: فى المادة 48 من الدستور المعطل”لا يكون حظر وقف الصحف أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائى”؛ وبالتالى ترك الباب مفتوحاً لتهديد الصحف بالغلق بحكم قضائى. لكن المقترح الذى تمت الموافقة عليه من قبل لجنة الحقوق والحريات فى لجنة الخمسين، حظر الوقف أو الغلق أو المصادرة بشكل عام وتلك نقطة ايجابية تحسب لهذه اللجنة.

-        فرض الرقابة: أجاز دستور 2012 وكذلك مشروع دستور 2013 فرض الرقابة فى حالة الحرب وفي حالة التعبئة العامة؛ وبالتالي في حالة أعلنت السلطة التنفيذية حالة التعبئة العامة في أي وقت يكون  لها حق الرقابة والتدخل في حرية الإعلام.

-        الإصدار والملكية: نصت المادة 49 من دستور 2012 على حرية المصريين فى إصدار وتملك الصحف، وأن يكون ذلك بالإخطار. أما نص المادة 70 من مشروع دستور 2013 فلم يقتصر على كلمة “الصحف” بل جاء فيه أن “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة”. وكذلك فيما يخص الملكية فقد نص على أن “حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام الرقمي مكفولة للمصريين. وأن الصحف تصدر بمجرد الإخطار”. لكن المقترح قام بزيادة عبارة “على النحو الذى ينظمه  القانون” والذى لم يكن ورد فى دستور 2012 أو في مقترح لجنة العشرة. وهذه العبارة جاءت بمثابة قيد علي حق الإصدار والملكية وذلك بالإحالة إلي قانون يتعسف أصلاً فى شروط الإصدار والملكية.

-        محطات البث: جاء النص كما هو فى دستور 2012 ومقترح لجنة العشرة ومقترح لجنة الخمسين، بأن ينظم القانون إجراءات إنشاء محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية. وهى نفس مشكلة الإصدار والملكية فى الفقرة السابقة بحيث أن الإحالة إلى القانون تعنى ترك المساحة للمُشرع فى تقييد حق إنشاء محطات البث بأشكالها وكذلك إنشاء الصحف الإليكترونية.

-        إلغاء العقوبات السالبة للحريات فى قضايا النشر: وهذه المادة من المواد الجيدة والتى تحسب للجنة الخمسين؛ فهى تلغي لأول مرة كل العقوبات السالبة للحريات فى قضايا النشر أو العلنية. ولكن تستثني المادة هذا الإلغاء للعقوبات السالبة للحرية فى حالتين: المتعلقة بالحض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو فى الطعن فى أعراض الأفراد. والمشكلة هنا فى عدم وضع تعريف محدد لمعني “الحض على العنف” أو لمعني “التمييز” وبالتالي ترك المشرع الدستوري الباب مفتوحاً لتقدير سلطة التحقيق؛ وهو ما قد يفتح باباً للقيد على حرية الإعلام. وكنا نقترح إضافة “ويلغي أى حكم أو نص يتعارض مع أحكام هذه المادة”. وكنا نتمني أن يضاف نصاً مستقلاً للنص بشكل عام على وجود آلية ملزمة لتنقية ترسانة القوانين من المواد التى تتعارض مع الدستور، فإن حجم التعارض بين مواد القوانين ومواد الدساتير منذ دستور 1971 أكثر مما يمكن حصره، وعلي سبيل المثال نجد قانون العقوبات المصري والذى صدر فى عام 1937 به باب كامل عن جرائم النشر، هو الباب الرابع عشر، وهناك مواد أخري فى هذا القانون –أيضا- ضد حرية النشر، وهو ما يتعارض مع مواد الصحافة والنشر فى كل الدساتير المصرية منذ 1971. وما ينطبق على قانون العقوبات من تناقض وتعارض فى بعض مواده مع مواد الدساتير، نجده يتكرر فى القوانين الأخري التي تنظم عمل الإعلام فى مصر، وكان ينبغي النص والعمل على تعديلها وتوفير آلية ناجزة لذلك ووفقا لأحكام الدستور وهذا ما لم يحدث.

-        استقلالية وسائل الإعلام: المادة 72،وهى مستحدثة، تلزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام التي تملكها بما يكفل عدم انحيازها. وهو نص يفترض أن وسائل الإعلام المملوكة للدولة لا ينبغى أن تكون صوت للسلطة الحاكمة وإنما يجب أن تكون  صوتاً للناس وتعبيراً صادقاً عن حقوقهم، وأن الدولة الرشيدة عليها أن تضمن اسقلالية وسائل الإعلام المملوكة لها. ومن المفارقات أن وسائل إعلامية مصرية كثيرة ،سواء تابعة للدولة أو خاصة، علي عكس ما تنص عليه تلك المادة تقوم بعمل حملات دعائية للتصويت بنعم علي الدستور الجديد.

وفي نهاية حديثه يشير “عبد الرحمن” إلى أنه، بشكل عام، وفيما يخص مواد الصحافة والإعلام في مشروع دستور 2013 ورغم بعض التحسن، كما سبقت الإشارة، ومع كل الملاحظات التفصيلية علي تلك المواد، فإن ثمة مواد أخرى تتقاطع بشكل مباشر مع المواد التى تتحدث عن الصحافة النشر والإعلام؛ فمادة إنشاء النقابات المهنية والتي جاءت برقم 77 وتتحدث عن أنه “لا تنشأ لتنظيم المهنة سوي نقابة واحدة” وبالتالي فهي ضد حرية التنظيم والتعدد النقابي الحر.

 وفي مادة تداول المعلومات والتى جاءت برقم 68 وتنص على أن: “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك الشعب. والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن. وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية.. وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها وقواعد الحصول على المعلومات والتظلم من رفض إعطائها ويحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً. وفيما هو واضح فإن النص يتحدث على أن تلتزم الدولة بإتاحة وتوفير المعلومات دون توضيح لآلية واضحة لذلك، ودون أن يتطرق إلى الحكم فى حالة عدم إلتزام الدولة بالإتاحة والتوفير للمعلومات، وأخيراً، يحيل إلي القانون فيما يخص “تنظيم قواعد الحصول علي المعلومات” وبالتالي تفرغ تلك الإحالة المادة من معناها. وكذلك فإن استمرار مواد المحاكمات العسكرية للمدنيين (م: 204)، وجواز فرض حالة الطوارئ (م: 154) ، ومع كل ما تقدم من ملاحظات، يبدو إجمالاً أن مشروع دستور 2013 ، رغم التحسن، يظل مع ذلك يرسخ للاستبداد ويهدار الحقوق والحريات، ولا يلبي الحد الأدني من مطالب ثورة يناير ببناء دولة حديثة وديمقراطية تقوم على أساس المساواة والعدل بين مواطنيها.

 

اكتب تعليقك